محمد بن جرير الطبري
369
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
لم يستطيعوا دعاءً . فجعل يوقظهم ويقول : سبحان الله ! ما تصبرون لي ليلة واحدة تعينوني فيها ! ( 1 ) قالوا : والله ما ندري ما لنا ! لقد كنا نسمر فنكثر السَّمَر ، وما نطيق الليلة سمرًا ، وما نريد دعاء إلا حيل بيننا وبينه ! فقال : يُذْهَب بالراعي وتتفرق الغنم ! وجعل يأتي بكلام نحو هذا ينعَى به نفسه . ثم قال : الحقَّ ، ليكفرنَّ بي أحدكم قبل أن يصيح الديك ثلاث مرات ، وليبيعنِّي أحدكم بدراهم يسيرة ، وليأكلن ثمني ! فخرجوا فتفرقوا ، ( 2 ) وكانت اليهود تطلبه ، فأخذوا شمعون أحد الحواريين ، فقالوا : هذا من أصحابه ! فجحد وقال : ما أنا بصاحبه ! فتركوه ، ثم أخذه آخرون فجحد كذلك . ثم سمع صوت ديك فبكى وأحزنه ، فلما أصبح أتى أحدُ الحواريين إلى اليهود فقال : ما تجعلون لي إن دللتكم على المسيح ؟ فجعلوا له ثلاثين درهمًا ، فأخذها ودلَّهم عليه . وكان شبِّه عليهم قبل ذلك ، فأخذوه فاستوثقوا منه ، وربطوه بالحبل ، فجعلوا يقودونه ويقولون له : أنت كنت تحيي الموتى ، وتنتهر الشيطان ، وتبرئ المجنون ، أفلا تنجّي نفسك من هذا الحبل ؟ ! ويبصقون عليه ، ويلقون عليه الشوك ، حتى أتوا به الخشبة التي أرادوا أن يصلبوه عليها ، فرفعه الله إليه ، وصلبوا ما شبِّه لهم ، فمكث سبعًا . = ثم إنّ أمَّه والمرأة التي كان يداويها عيسى فأبرأها الله من الجنون ، جاءتا تبكيان حيث المصلوب ، ( 3 ) فجاءهما عيسى فقال : علام تبكيان ؟ قالتا : عليك ! فقال : إني قد رفعني الله إليه ، ولم يصبني إلا خير ، وإن هذا شيء شبِّه لهم ،
--> ( 1 ) في المطبوعة : " أما تصبرون " ، وأثبت ما في التاريخ والمخطوطة . ( 2 ) في المطبوعة : " وتفرقوا " بالواو ، وأثبت ما في التاريخ والمخطوطة . ( 3 ) في المطبوعة " حيث كان المصلوب " ، وفي التاريخ : " عند المصلوب " ، وفي المخطوطة " حيث " غير منقوطة ، وعليها حرف ( ط ) ، كأن الناسخ عدها خطأ ، لقلة إضافة " حيث " إلى الاسم المفرد ، لأنها تضاف إلى الجملة الفعلية والجملة الإسمية ، ولكن لإضافتها إلى المفرد شواهد كثيرة ، منها قول الشاعر : وَنَحْنُ سَقَيْنَا المَوْتَ بِالسَّيْفِ مَعْقِلا . . . وقَدْ كانَ مِنْهُمْ حَيْثُ ليُّ العَمَائِمِ